أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
277
العقد الفريد
وأما أنسابها وأحسابها ، فليست أمة من الأمم إلا وقد جهلت آباءها وأصولها وكثيرا من أوّلها ، حتى إنّ أحدهم ليسأل عمن وراء أبيه دنيا فلا ينسبه ولا يعرفه وليس أحد من العرب إلا يسمّي آباءه أبا فأبا ، حاطوا بذلك أحسابهم ، وحفظوا به أنسابهم ، فلا يدخل رجل في غير قومه : ولا ينتسب إلى غير نسبه ، ولا يدعى إلى غير أبيه . وأما سخاؤها ، فإنّ أدناهم رجلا الذي تكون عنده البكرة والناب عليها بلاغة « 1 » في حموله وشبعه وريّه ، فيطرقه الطارق « 2 » الذي يكتفي بالفلذة « 3 » ويجتزئ بالشّربة فيعقرها له ويرضى أن يخرج عن دنياه كلها فيما يكسبه حسن الأحدوثة وطيب الذكر . وأما حكمة ألسنتهم فإن اللّه تعالى أعطاهم في أشعارهم ورونق كلامهم وحسنه ووزنه وقوافيه ، مع معرفتهم بالأشياء ، وضربهم للأمثال ، وإبلاغهم في الصفات ما ليس لشيء من ألسنة الأجناس . ثم خيلهم أفضل الخيل ، ونساؤهم أعفّ النساء ، ولباسهم أفضل اللباس ومعادنهم الذهب والفضة ، وحجارة جبالهم الجزع « 4 » ، ومطاياهم التي لا يبلغ على مثلها سفر ، ولا يقطع بمثلها بلد قفر . وأما دينها وشريعتها ، فإنهم متمسّكون به ، حتى يبلغ أحدهم من نسكه بدينه أن لهم أشهرا حرما ، وبلدا محرما ، وبيتا محجوجا ينسكون فيه مناسكهم ، ويذبحون فيه ذبائحهم ، فيلقى الرجل قاتل أبيه أو أخيه ، وهو قادر على أخذ ثأره وإدراك رغبته منه ، فيحجزه كرمه ويمنعه دينه عن تناوله بأذى . وأما وفاؤها ، فإنّ أحدهم يلحظ اللحظة ويومئ الإيماءة فهي ولث « 5 » وعقدة لا يحلّها إلا خروج نفسه ، وإنّ أحدهم ليرفع عودا من الأرض فيكون رهنا بدينه فلا
--> ( 1 ) الناب : الناقة المسنّة وبلاغة : معوّله وكفايته . ( 2 ) الطارق : الزائر ليلا . ( 3 ) الفلذة : القطعة . ( 4 ) الجزع : خرز يماني فيه سواد وبياض . ( 5 ) الولث : العهد .